أحمد بن علي الطبرسي

214

الاحتجاج

أما أول ذلك . فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول : يتحول إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك ، ولكنه عز وجل لم يخلق شيئا لحاجة ، ولم يزل ثابتا لا في شئ ، إلا أن الخلق يمسك بعضه بعضا ، ويدخل بعضه في بعض ، ويخرج منه . والله جل وتقدس بقدرته يمسك ذلك كله ، وليس يدخل في شئ ، ولا يخرج منه ولا يؤده حفظه ، ولا يعجز عن إمساكه ، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك إلا الله عز وجل ، ومن اطلعه عليه من رسله وأهل سره ، والمستحفظين لأمره ، وخزانه القائمين بشريعته ، وإنما أمره كلمح البصر أو هو أقرب ، إذا شاء شيئا فإنما يقول له : ( كن ) فيكون بمشيته وإرادته ، وليس شئ من خلقه أقرب إليه من شئ ، ولا شئ أبعد منه من شئ ، أفهمت يا عمران ؟ قال : نعم يا سيدي فهمت ، وأشهد أن الله على ما وصفت ووحدت ، وأن محمدا عبده المبعوث بالهدى ودين الحق ، ثم خر ساجدا نحو القبلة وأسلم . قال الحسن بن محمد النوفلي : فلما نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابي - وكان جدلا لم يقطعه عن حجته أحد قط - لم يدن من الرضا عليه السلام أحد ، ولم يسألوه عن شئ ، وأمسينا فنهض المأمون والرضا عليه السلام فدخلا وانصرف الناس . ثم قال الرضا عليه السلام - بعد أن عاد إلى منزله - : يا غلام صر إلى عمران الصابي فأتني به ! فقلت : جعلت فداك ! أنا أعرف موضعه هو عند بعض إخواننا من الشيعة . قال : فلا بأس قربوا إليه دابة . فصرت إلى عمران فأتيته به ، فرحب به ، ودعا بكسوة فخلعها عليه ، ودعا بعشرة آلاف درهم فوصله به . قلت : جعلت فداك ! حكيت فعل جدك أمير المؤمنين عليه السلام . قال : هكذا يجب . ثم دعا عليه السلام بالعشاء فأجلسني عن يمينه ، وأجلس عمران عن يساره ، حتى إذا فرغنا قال لعمران : انصرف مصاحبا وبكر علينا نطعمك طعام المدينة .